عــــــــــــــــــــــــــــودة بقلم مها قيقة
ارتديت ميدعتي البيضاء لأول مرة انتظرت خمس وعشرين سنة من اجل هذه اللحظة ، من اجل أن ارتدي هذه الميدعة واحمل هذه المحفظة واذهب لتدريس البراعم الصغيرة التي لا تعرف من هذه الدنيا سوى تلك الحروف التي تنسخها والبراعات التي تصنعها أناملهم.
استقليت سيارة الأجرة وذهبت . ذهبت مبكرا كي اجلس وحيدة قليلا بين أحضان المدرسة التي أتيتها صغيرة أتلقى العلم وعدت إليها ألان كبيرة في العلم. دخلت من ذاك الباب الأزرق الكبير . آه كل شيء مثلما عدته منذ ثلاثة عشر سنة قدمت بضع خطوات فإذا كل شيء كما عهدته في السابق: مكتب المدير، قاعة المعلمين، الساحة، الأقسام...
جلست في المقعد الذي دائما في صبايا أفضل أن اجلس فيه الذي من خلاله يمكنك إن ترى جميع زوايا المدرسة. وسرح بي الخيال فعادت بي الذاكرة إلى سنوات مضت إلى زماني طفولتي فجعلت أفتش بين ثنايا ضحكاتي عن سعادتي وأخذتني الأحاسيس إلى أحلامي وارى الثواني تمضي من إمامي ولا تزال نفس المشاعر فيا . كل قسم من هذه الأقسام وكل جليزة منه بها ذكريات منها الحلو ومنها المر . كل شخص دخل هذه المدرسة في زماني اعرفه وأتذكره لكنني فارقتهم في ما بعد فمن منهم من ضمتهم القبور من معلمين ومن منهم من ألهته الحياة عن الأصدقاء والأحباء. هكذا نحن لم نكن سوى ذكريات وهكذا صورنا حفظناها في عيوننا، حنين عظيم حبسناه بكلماتنا وحياتنا اليومية يمكن أن نخفيه لكن لا ينسى.
أتذكر السنة الأولى من التعليم الابتدائي، أتذكر كل تفاصيلها كيف لا وهي كانت السنة التي بدا يتكون فيها حلمي وطموحي. كانت معلمتي تلك السنة أستاذة فاضلة اجتهدت في إتقان عملها ووفقت في ذلك. هي التي زرعت في حب اللغة العربية وجعلتني احلم إن أصبح مثلها يوما ما، كانت سندي بعد والدي. حقا لن أنسى فضلها أبدا. إما عن السنة الثانية فهي كانت سنة عادية أحبتني فيها معلمتي وأحببتها، كانت سنة موفقة كللت بنجاح. وازداد حبي للغة العربية وتشبثي بها دون غيرها من اللغات.... القسم عدد أربعة أسوء قسم في المدرسة لكنني أمضيت فيه أجمل سنة وهي السنة الثالثة. هي السنة التي تأكدت فيها أني خلقت لأجل أن أبدع في اللغة العربية فازدادت نتائجي تميزا لكن في المقابل تدنت نتائجي في الرياضيات إذ كرهتها ونفرت منها:
هذا من الطبيعي فانا لم اخلق من اجل الرياضيات تركتها لمن يعشقها ويهواها. ما شأني أنا بالجمع والطرح والضرب وما شأني بعدد الفلاحين والعمال. فليذهبوا لعباقرة الرياضيات مثل الخوارزمي وعمر وابن سينا وارخميدس وإقليدس وغيرهم أما أنا فل يتركوني وشاني فانا من عشاق الطاهر قيقة ، ابو القاسم الشابي ...
هذا مكنت أقوله في صباي. تتساءل أيها القارئ عن معرفتي المبكرة بأسماء هؤلاء وانتماءاتهم لا تستغربوا فالأطفال في سن العاشرة يقرؤون كتبا صغيرة تفهمها عقولهم مثل سندرلا أما أنا فقد ارتقيت إلى مرحلة اكبر من ذلك بكثير وتمكنت في تلك السنة من قراءة كتاب الحضارة أماه لإدريس الشورابي الذي يطرح قضايا المرأة بالإضافة إلى العديد من الكتب الأخرى.
كان أستاذي في تلك السنة أستاذا طيب القلب أضناه السهر على تعليم أطفال لا يعرفون من هذه الدنيا سوى امتطاء أحلامهم الصغيرة الغامضة. عشت هذه السنة موقفا طريفا ضحكت كلما تذكرته: ذات يوم أجرينا اختبارا مهما في اللغة العربية ومن الغد جاء حاملا الأوراق مصححا إياها. كنت اندهش لسرعة إصلاحه الاختبارات ولما أسال أمي تخبرني بأنه رجل وليس عليه واجبات مثل المرأة لذلك يجد الوقت. لا يهم. بدا ينطق بتلك الأعداد التي اقل ما يقال عنها كارثية : ستة/سبعة/عشرة/... أعداد سمعتها جعلتني أغوص تارة في مجالات الشك و الريبة وأتسلق رؤوس الجبال الشاهقة.
أتم إرجاع الاعداد ولم يذكرني لكن طلب مني أن اخبر أصدقائي عن حكمة عن عدم الاستسلام واليأس. أخبرتهم بحكمة لا استحضرها ولا ادري كيف استحضرتها وقتها بعد أن تأكدت أن شكوكي في محلها." اثنان" نزل علي نزول الصاعقة.. أفكار كثيرة جالت بخاطري في ثوان قليلة لكنني قررت أن أمحو هذه اللحظات لكن عقلي أبى ذلك فصعدت أصلح التمرين على السبورة دون أي أمر بيدين مرتعشتين وعينين زائغتين. وإذا بصوت يصيح:"أسف نسيت الصفر عشرون " ابكي، اقفز، اضحك....
ما أجمل الطفولة نجد في
الابتسامة البراءة وفي البكاء البراءة وفي معاملاتهم البسيطة البراءة. السنة السادسة،
سنة كغيرها ولكن أجمل ما بها مدرسة العربية. كنت انتظر حصتها بشوق . الحقيقة أنا أصدقاء
كانوا يكرهون حصتها وينفرونها. عكسي تماما كنت انتظر حصتها بفارغ الصبر أتعتقدون أني
أحب حصتها لأنها لينة معنا أو امتحاناتها سهلة بل بالعكس كانت شديدة معنا تعول ان
الجهد الذي نبذله معا يحتم عليه هذا التشدد... كنت طيلة الوقت ابحث عن سبب وجيه
يجعلني مشدودة ومعجبة بحصصها: ربما هذا الصعب ... لا, لا أظن ذلك فنحن العرب في
طبيعتنا نحب الذي يمدحنا ونكره المتشدد معنا. .. ربما لوقارتها وفخامتها
ولتقديرها لما أحب . نعم ربما وربما لأنها تذكرني بأمي فهما يجتمعان بنقاط شبه
عديدة فحتى عندما انتقلنا المعهد مجموعة من أصدقائي الذين كانت أمي أستاذتهم أخبروني
أنهما تشبهان بعضهما البعض...
يا ترى أكانت الحياة بهذه البساطة أو هي حلاوة الذكرى تزين عيوننا الماضي فنستلذ به ؟ حقا المدرسة حصة بدأت وأنتهت علق بداخلها فقط ذكرياتنا . وقد نغيب نحن كالغروب وقد يلهينا الزمن ولكن تبقى المدرسة من تلم شملنا... قطعت سلسلة ذكرياتي صوت الأطفال يؤمون أقسامهم فقمت إلى قسمي أيضا وما زال صوت ضحكت طفولة يرن في ذاكرتي .
تعليقات
إرسال تعليق