بارقة الأمل بقلم نور الهدى بوكر
العم صالح شيخ مسن وقور، يلبس البرنس والشاشيّة يحيي كل مارّ، ببشاشة، متمتما، حامدا ربه على نعمه. وحين عجز عن العمل كبحار بسبب تقدّمه في السنّ، ودّع البحر بابتسامة مغصوبة متكلفة وكأنه يترك ماضيه وأحلامه وصغره. ثمّ جلس على سطح صخرة يستحضر ذكرياته الجميلة. وقال مبتسما:
ذات يوما ,شددت الرحال مع رفاقي إلى أعماق صديقي البحر يومها كنت في الثلاثين من عمري، كنت حينها في ريعان شبابي , لقد كنت مفتول العضلات، وكان شعري أسود اللّون. كنت أساند الجميع وأحب الأخوة , لقد كفلني عمّي عندما أصبحت يتيما وربّاني على الأخلاق الحميدة , فهو كان لي أبا وأما وأخا كذلك واليوم مكانته في قلبي هي الأعلى بوجوده أدركت معنى الحياة بوقاره بلغت عتبة الرجولة وبجده أخلصت في عملي إلى أن صرت خبيرا.
كنت كالربان أصدر الأوامر وأراقب البحر إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان، لقد تغيرت أحوال الطقس، فقد تكاثفت الغيوم السوداء، وهبت رياح عاتية فعم مركبنا الوجوم وهبّت عاصفة هوجاء فتلاعبت الأمواج بالمركب وصار البحارة يصيحون فزعا وأغمي عليهم الواحد تلو الآخر , لم أتحمل الموقف ولم أهب المخاطر وحملت سكينا وحبلا متينا لأربط القارب إلى صخرة ريثما تهدأ العاصفة ونستأنف طريقنا عائدين. نعم هذه هي عزيمتي فهي من حديد! كنت أتسلق الحبل لاهثا , وها أنا أوشك على الوصول ثم التفت يمنة ويسرة. وأخيرا لاحت بارقة الأمل! لقد لمحت مركبا كبيرا بالقرب منّا، فصحت بأعلى صوتي : أنجدونا! أنقذونا! ولوح أصدقائي بأيديهم إلى أن عرج المركب نحونا. وما لبثنا أن صعدنا وعدنا إلى بيوتنا سالمين.
ثم نهض العمّ صالح من مكانه ولم تفارق البسمة محيّاه وودّعنا ثمّ رحل بعيدا حتّى صار لا يكاد يرى بالعين المجردة.
تعليقات
إرسال تعليق