دفء مفاجئ بقلم ياسمين بوسعدية

 

أفتح عينيّ بضعف بعد أن هويت في مياه البحر الباردة، أتلمس بكل جوارحي دفئ البيت و دفئ فراشي و أتمنى لو يزول ذلك البرد الذي ينهش عظامي فيبعث في كامل جسمي ذبذبات ألم مستمرة. اتسائل بيني وبين نفسي عن سبب ما أمر به، فقدت كنت قبل شهور أنعم بحب أسرتي اجول بيتي طولا وعرضا بابتسامة لم تفارق فاهي يوما. تلك الأيام حين كنت أدوام في المدرسة أو بالأحرى حين كنت أتأفف منزعجة من الذّهاب إليها انا أدرك الآن اني اتمنى لو اذهب إليها و لا مانع لي في البقاء فيها و لو طول الحياة. أنا اقسم اني لن اتهاون في القيام بواجباتي و لن أتكاسل في النهوض عند السادسة، فقط أعيدوني إلى المدرسة حيث كنا ننعم بالسّلام.

حرب قد دبت في بلادي دمرت كل آمالي و أحلامي حرب سرقت مني طفولتي وألعابي، عائلتي و أصدقائي و حتى مدرستي. حرب ازهقت أرواحنا جميعا من امرأة و رجل، صبية و صبي لا فرق بيننا، صراخات تتعالى وقد قطعت أحبال أصواتنا دموع انهمرت كالوديان و أنا اقسم إنها لو جمعت لا أغرقت العالم جميعا.

 لون أحمر يملأ المكان و يستولي على المرتبة الأولى في البروز... إنها دماء شعبي نعم انها دماء إنسان قد سفكت اما برصاصات العدو او بقنابلهم و تتعدد وسائل القتل و تتقلص سبل النجاة، عائلات تفرقت و عائلات أبيدت و كأنها جمع ذباب لا خطب في قتلهم، اهكذا نبدو للعدو؟ انقرضت الإنسانية في عالم أصبح يرى ان سفك الأرواح امر عادي يتم في ثواني معدودة. قيمة الروح أصبحت كقيمة قطعة الحلوى و لا أبالغ عندما اقول انهم يرون الروح "رخيصة".

ذاك حال قلوبهم السوداء كنت سأنفي الأمر اذا سمعت هذا و لكن رؤية ذلك الجندي يرمي تلك ذات الأربع سنوات بالرصاص دون تردد بنظرة باردة رغم بكائها و توسلها رغم صوتها الرقيق المتقطع جراء النحيب، ذاك الصوت الذي يطلب الرحمة و لا رحمة في هذا العالم. حينها غيرت رأيي و نظرتي للبشر وللعالم بأسره. قلوب بيضاء؟ طيبة؟ حنان؟ رحمة؟ رفق؟ أين هذه الصفات فيهم؟ انها محظ كذبة سوداء بعيدة كل البعد عن الحقيقة، عن الواقع، تشيع في أرضنا الفساد، تفجر منازلنا، تقتل الأبرياء، تمشي على جثثهم، تعذب الأحياء منا، تشردنا، تجعلنا نركض حفاة و قد تشوهت أقدامنا و جرحت و قد ملئت شظايا وداست على شتى انواع الحصاة و لكننا لن نتوقف عن الركض تحملنا ألما اضافيا و انطلقنا و نحن نحلم و لو بفرصة ظئيلة للحياة فذلك حقنا قبل كل شيء.

ما الفرق بيننا بينهم؟ قد كتب لنا العذاب قبل أن نخوض تجربة كيف نحيى و كيف نعيش. لقد كنا مثلهم ننعم بالسلام. فأي لعنة حلت علينا جعلتنا نتمنى ولو قطعة خبز قديمة نملئ بها بطوننا ونسكت بها جوعنا. نعم لقد كتب لنا العذاب والألم. ولكن أنقذونا! انجدونا! وساعدونا! ساندونا! نحن أبناء جنسكم! نحن بشر! نحن من دم و لحم نتنفس مثلكم و نشعر مثلكم، هل ترضى بما يحدث لنا لنفسك؟ اذا لما ترضى به لنا و نحن سواء؟؟ ما الخطب معكم ما الخطب مع قلوبكم و عقولكم ما الخطب مع تفكيركم الأناني الا ترون الأطفال الا ترون الأرامل و الرضع؟ كيف تتحمل النظر إلينا دون أن يتحرك لك ساكن و ثم تقول بكل برود "سيمر". بحق خالق السماوات ما الذي سيمر؟ و حتى أن مر. ماذا عن الذي مررنا به؟ ماذا عن دموعي؟ ماذا عن صيحاتي اليائسة؟ لا تكتفوا بمشاهدتنا هلمّوا لنجدتنا! لا تتركوا الأمر يكبر أكثر وأكثر.

ما الألم الذي ينتظرنا أكثر من ألم أن تكون بين أحضان أمك فتهوي عليكم قنبلة من العدم فتلفظ امك اخر أنفاسها تحت الأنقاض، ولا يختلف عنها حال بقية أفراد أسرتك. تصيبك جروح بالغة و تستمر بالركض تقضي أياما و أياما دون طعام، تبحث هنا و هناك في القمامة عن بقايا الطعام. تنام قرب المجاري و تستيقظ مرعوبا بسبب أصوات الرصاص. تشرب من مياه الأمطار التي تكونت في الحفر القريبة من المنازل المدمرة و قد مزجت بالأتربة و الجراثيم ولكن لا مانع لك في ذلك فهذا أفضل من لا شيء. تعيش في كوابيس و ينعرض يوميا مشهد موت عائلتك أمام ناظريك ثم تزورك ذكرياتك السعيدة، لتسبب لك ألما عميقا لا حد و لا دواء له.

أخي أختي كم اشتقت إليكما و اشتاق الشجار معكما، أمي كم اشتقت إلى صوتك الحنون الذي يمدني بالطاقة، أبي كم اشتقت صوتك الشهم المعاتب حين أقوم بعمل خاطئ، صارت أقصى أحلامي دقيقة اخيرة لي معكم أين انت يا اختي؟ أنا أعدك اني لن أسرق ثوبك الزهري، لن ازعجك بصوت غنائي في الحمام، أخي أين أنت؟ أنا أعدك بتقاسم كيس البطاطا الذي اشتراه لي أبي معك و لن أمانع ذلك فقط. تعال إلي. أمي أبي أين انتما؟ انا أعدكما بنيل الدرجة الكاملة و التركيز في دراستي فقط عودوا الي عودوا عودوا عودوا !!!!!!

صديقتي كيف حالك؟ أهي مؤلمة تلك الرصاصة التي لمحتها تخترق جسدك الصغير بينما كنت مارة مسرعة بالقرب من هناك، هل بإمكانك العودة؟ سأتي للعب معك و لن أكون كسولة في التجهز للخروج للتنزه. فقط عودي نعم ذلك جل ما افكر فيه في كل ثانية و جزء ثانية أدركت أن أحد لن ينجدنا مرت شهور ولم يتغير حالنا فقررت الاعتماد على نفسي و النجاة قررت الهجرة وأنا فتاة لا يتجاوز عمري العاشرة أسرعت الى ذلك القارب الصغير الذين امتلئ بالكامل حاولت الركض و الركض ولكن ذلك القارب اتجه ناحية أعماق البحر لمغادرة بلدي الجريح.

تعبت من الركض خلفهم و من الصراخ على أمل أن يتوقفوا و يأخذوني معهم، أطلقت صرخة مدوّية بكلّ ما أوتيت من قوّة واكتشفت ان الماء قد اصبح يصل إلى رقبتي وقد أنهكني التعب، وفجأة امتدّت إليّ يد انتشلتني في اللّحظة الأخيرة. ووجدت نفسي على متن القارب بالقرب من امرأة حاولت تدثيري بردائها وهي تقول لي والدموع تملؤ عينيها: "لا تقلقي يا بنيّتي، لا تقلقي! كوني قويّة ولا تستسلمي لليأس! إيّاك أن تستسلمي! علينا أن نتحلّى بالصبر ونسأل الله أن يوصلنا بسلام إلى برّ الأمان." منحني كلامها الأمل في النجاة وشعرت بدفئ مفاجئ يدبّ في عروقي من جديد...

تعليقات

تصفّح المزيد

مصباح الجربوع بقلم ياسين ضيفات

عــــــــــــــــــــــــــــودة بقلم مها قيقة

الطفولة الجميلة بقلم أميمة ضيفات

و كــــان ذلــــــك من أعـــــز الأصـــــدقـــــــــاء بقلم ياسـمين الصيد

إلى صديقتي العزيزة بقلم ريهام الكامل

الصّداقة بقلم أميمة ضيفات

إلى صديقي العزيز بقلم محمد ياسين ضيفات

الإخوة بقلم نهاوند كشيش

أميّ بقلم مها قيقة